ابراهيم بن عمر البقاعي
111
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من حسابه كان التقدير : فيخافون حسابه ، أتبعه قوله : وَكَفى بِاللَّهِ أي المحيط بجميع صفات الكمال حَسِيباً * أي مجازيا لكل أحد بما عمل وبالغا في حسابه الغاية القصوى ، وكافيا من أراد كفايته كل من أراده بسوء . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 40 إلى 46 ] ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 40 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 42 ) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنا ، وكانوا قد قالوا لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها : تزوج حليلة ابنه « 1 » ، أخبر به سبحانه على وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة فقال : ما كانَ أي بوجه من الوجوه مطلق كون مُحَمَّدٌ أي على كثرة نسائه وأولاده أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ لا مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة ، ليثبت بذلك أن تحرم عليه زوجة الابن ، ولم يقل : من بينكم ، وإن لم يكن له في ذلك الوقت وهو سنة خمس وما داناها - ابن ، ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه السّلام ، مع ما كان له قبله من البنين الذين لم يبلغ أحد منهم الحلم - على جميعهم الصلاة والسّلام . ولما كان بين كونه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا لأحد من الرجال حقيقة وبين كونه خاتما منافاة قال : وَلكِنْ كان في علم اللّه غيبا وشهادة أنه رَسُولَ اللَّهِ الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده ، فبينكم وبين رسوله من جهة مطلق الرسالة أبوة وبنوة مجازية ، أما من جهته فبالرأفة والرحمة والتربية والنصيحة من غير أن تحرم عليه تلك البنوة شيئا من نسائكم وإلا لم يكن لمنصب النبوة مزية ، وأما من جهتكم فبوجوب التعظيم والتوقير والطاعة وحرمة الأزواج ، وأما كون الرسالة عن اللّه الذي لا أعظم منه فهو مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما أمره به ، وقد بلغكم قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ووظيفته الشريفة مقتضية لأن يكون أول مؤتمر بهذا الأمر ، فهو لا يدعو أحدا من رجالكم بعد هذا ابنه .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 3207 وقال : هذا حديث غريب ا ه . لأن فيه داود بن الزبرقان متروك ، وكذبه غير واحد من أهل العلم كما في الميزان للذهبي .